شريط الأخبار

القصة السرية لهروب الرئيس التونسي

09:09 - 14 كانون أول / فبراير 2011


القصة السرية لهروب الرئيس التونسي

فلسطين اليوم- وكالات

رفض الصعود إلى الطائرة على مدرج المطار في تونس، وقف يتلوّى، يشدّ يده على حقيبته السوداء الصغيرة، حقيبته الوحيدة، يحاول جاهداً العودة إلى سيارته المرسيدس التي ترجّل منها قبل دقائق.

اللحظات الأخيرة في البلاد، عاشها الرئيس المخلوع في حالة من الخوف والصدمة، فلم يكن مصدقاً أنه كان حتى البارحة رئيس البلاد وصاحب السلطة، وهو نفسه يفرّ اليوم، مخلوعاً وذليلاً كما يفرّ اللصوص.

في هذه اللحظات بالذات، ظهر بن علي على حقيقته. تجرّد من قناع القوة الذي حكم به طيلة 24 عاماً، وبدا رجلاً منهاراً ضعيفاً يتلقى الأوامر من زوجته ليلى الطرابلسي ومن قائد الأمن الرئاسي، رجل الظل، علي السرياطي.

أوردت مجلة «لو نوفل أوبسرفاتور» في عددها الأخير الصادر الخميس الماضي تحقيقاً حول «القصة السريّة لهروب بن علي» استنادا إلى شهادات تلقّتها مبعوثة المجلة إلى تونس، سارة دانيال، من مصادر كانت «مقرّبة» من قصر قرطاج ومن بن علي وعائلته، وحضرت الأيام الأخيرة لحكمه خاصة اليوم الأخير المعروف بـ «يوم الهروب».

هي حكاية فرار رئيس مخلوع، لعب بطولتها زين العابدين بن علي وتولّت إخراجها زوجته ليلى. هذه الأخيرة، تصفها دانيال بأنها «المرأة المكيافيلية» التي كانت السبب، كما الشعب التونسي، في دفع بن علي إلى المنفى.

نعود إلى المشهد «المؤثر» في مطار تونس، يوم الجمعة في 14 كانون الثاني الساعة الخامسة مساء. وبينما التظاهرات تعم شوارع تونس منادية بإسقاط الرئيس، كان بن علي يصرخ راجياً من حوله: « دعوني، لا أريد أن أذهب، أريد أن أموت هنا في بلدي». كان يرتجف في قميصه الأزرق الرقيق، فهو أجبرعلى ترك المنزل دون أن يتسنى له إحضار سترته.

ارتفع صوت علي السرياطي، الذي استمر في حراسة بن علي طيلة ثلاثين عاماً، شاتماً: «سحقاً! اصعد يا ...»، ثم هرع إليه يجبره على صعود درج الطائرة. لم يجرؤ أحد من المجموعة المرافقة لبن علي، المؤلّفة من زوجته ليلى وابنهما محمد ومن ابنتها حليمة وخطيبها كما من خادمتين فيليبنيتين، على الاقتراب منه. صرخت ليلى بلغتها المنمّقة، فأربكت زوجها الذي يئن من فقدان السلطة: «اصعد أيها الأحمق... قضيت عمري كله في تحمّل حماقاتك». في هذه الأثناء ارتفع صوت حليمة التي كانت تقف على سلّم الطائرة، يهدّد أمها والسرياطي:« اتركوا أبي، وإلا نزلت وقتلتكم جميعا».

 

في المطار، كان يقف موكب مرافق صغير يتابع السيناريو عن كثب، إنهم المقربون من ليلى. عائلتها، التي لا تفترق عنها أبداً.

 

في هذه الأثناء، اقترب مسؤول عسكري أعلم الجميع آنذاك ـ على مرأى ومسمع من بن علي وزوجته ـ أن السعودية «لا ترغب» في استقبال عائلة ليلى (عماد وبلحسن) وطمأنهم (وطمأن ليلى) بأن طائرة أخرى في الطريق آنذاك الى المطار لنقلهم الى روما وليون... وقد تم نقلهم في مرحلة أولى الى القاعة الشرفية بالمطار، وركب بن علي وزوجته وابناه وخطيب ابنته الطائرة التي ستقلّهم الى السعودية، وبعد ان أقلعت الطائرة الرئاسية (وهي من نوع بوينغ) تم اقتياد افراد عائلة ليلى الطرابلسي من قاعة التشريفات الى الثكنة العسكرية، واتضح ان «رواية» الطائرة التي ستقلّهم الى روما وليون ما هي الا خطّة لاقناعها بعدم التمسّك بنقلهم معها الى السعودية، وبالتالي القبض عليهم.

 

بعد مرور أسبوعين على تلك الحادثة، كان الطيّار، الرفيع المستوى في الطيران الحربي، والذي استدعي ليقل بن علي من مطار تونس، يبكي مستذكراً تلك اللحظة التاريخية «التراجيدية والغريبة» في آن. فهو ما زال، على الرغم مما جرى، يكنّ بعض المودة لرئيسه.

 

تنقل دانيال عن قائد الطائرة تفاصيل ما حصل بعد إقلاع هذه الأخيرة المقلة لبن علي وعائلته... حيث كانت الوجهة في البداية نحو الأجواء الليبية بحسب ما تم إبلاغه وهو الذي كان يجهل، حتى لحظة تشغيل المحركات، الوجهة التي سيقصدها قبل أن يتّصل به مسؤول عسكري من الوزن الثقيل (قائد أركان الجيش بحسب ما ورد بالتحقيق) ليعلمه بمخطط الرحلة، وقد تضمن المخطط أن طائرتين حربيتين (مقاتلتين) ستنضمّان الى جانب الطائرة على مستوى الجوّ ثم تكون الوجهة مالطا (للتزود بالوقود على ما يبدو) وبعد ذلك يتم الاتجاه الى مطار جدة.

 

خلال الرحلة، يروي الطيار، كان بن علي ينهض كل عشر دقائق متجهاً نحو مقصورة القيادة، يضع يده على كتف الطيار ويكرر الجملة نفسها دون كلل:« بنيّ، ستعيدني إلى تونس لاحقاً، أليس كذلك؟». يختار قائد الطائرة، متأثراً، أن يكذب على الرجل: «طبعا سيدي الرئيس، تلقّيت تعليمات بذلك...».

 

وبحسب ما ذكرت كاتبة التحقيق، فقد بدا بن علي داخل الطائرة منهارا فعلا، مستسلما للأمر الواقع وللضغوط التي مُورست عليه من زوجته ومن السرياطي اللذين، بحسب بعض أفراد عائلة طرابلسي، كانا يديران جزءاً كبيراً من شؤون البلاد دون العودة إليه.

 

وبالعودة إلى صباح «يوم الهروب»، كان بن علي وعائلته وعلي السرياطي في القصر الرئاسي بالحمامات (وليس في قصر قرطاج كما اعتقد البعض)... في ذلك اليوم، استمع بعض من كان حاضرا في قصر الحمامات الى «صراخ» السرياطي وهو يتحدث الى بن علي ويحاول اقناعه بضرورة «الهروب» حتى يتسنّى تنفيذ المخطط المتفق عليه... مخطط يقتضي، وفق ما ورد بالتحقيق المذكور، أن يتولّى السرياطي والميليشيا التابعة له الاطاحة بالدولة، وعندئذ يكون الاقتناع لدى الجميع بضرورة دعوة بن علي مجددا لانقاذ البلاد من الأزمة: أي أنه بحسب المخطط، فإن خروج بن علي سيكون «وقتيا» وسيتكرّر بالتالي سيناريو 1984... على حد ما ردّد السرياطي على مسمعه، عندما استنجد آنذاك بورقيبة ببن علي (وكان سفيرا في بولندا) لإنقاذ البلاد من الأزمة وأعاده الى البلاد وعيّنه مديرا عاما للأمن الوطني في مرحلة أولى ثم وزير داخلية ووزيرا أوّل، غير أن التحقيق أشار أيضا الى أن قائد أركان جيش البرّ الجنرال رشيد عمّار حذّر من مغبّة انقلاب الجيش على بن علي إن هو أصرّ على رفض مغادرة البلاد.

 

هذا ما دار في القصر صبيحة يوم الجمعة، كما جاء في التحقيق الذي أكد وفق مصادر مقرّبة من القصر، أن الرئيس لم يكن ليمتثل إلى ما قاله هؤلاء الرجلان لو لم يحصل على وعد قاطع بأن خروجه من البلاد سيكون موقتاً.

 

وأكدت مصادر من داخل القصر الرئاسي في التحقيق أن بن علي سلّم السلطة الفعليّة لزوجته ليلى في العام 2009 بعد أن أصيب بسرطان البروستات. حوادث وأخبار كثيرة ينقلها التحقيق عن عاملين في القصر، وعن طبيب القصر وغيرهم من المقربين من عائلة بن علي تؤكد ان ليلى كانت الآمرة الناهية في القصر.

 

لقد حرم محمد بوعزيزي ليلى من تنفيذ مخططاتها. فهي أيضاً، كما أورد التحقيق، كانت تحلم بالتخلص من بن علي.

 

ليلى (54 عاماً) المولودة في عائلة مؤلفة من 11 ولداً، عاشت طفولتها في فقر مدقع. وعندما التقت ببن علي كان متزوجاً من نعيمة كافي. لذا سكنت ليلى في فيلا بعيدة في تونس. وعندما كانت حاملا، أتت إحدى بنات بن علي تأخذ الصبي لتربيه عائلة والده. ومن يومها تكن ليلى كرهاً لبنات بن علي من زوجته السابقة.

 

لم تمل ليلى، بعدما استقرّت في القصر الملكي في العام 1992، من تكرار رغبتها بالانتقام من البورجوازيين في تونس مرددة أنها ستسحق كل من تجرأ ونظر إليها باحتقار. وهي كانت تضع اللمسات الاخيرة على فرصتها الذهبيّة بالانتقام من كل من استعلى عليها في السابق (الشيخة موزة والملكة رانيا كانتا ترفضان الالتقاء بها) نتيجة فقرها وارتباطها غير الشرعي في البداية ببن علي. كانت تستعد، قبل ان يحرق البوعزيزي نفسه، للانقلاب على السلطة مستحضرة ما فعله زوجها في عهد بورقيبة. هذا السيناريو، ترى الكاتبة، انه يفسر سبب الصراخ الحاقد لليلى في المطار: «اصعد أيها الأحمق... قضيت عمري كله في تحمل حماقاتك».

 

لقد تحوّل حلم ليلى إلى كابوس على شكل رجل مسن بشعر مصبوغ تتعيّن عليها مشاركته المنفى إلى الأبد

انشر عبر