شريط الأخبار

إلى شباب الانتفاضة في مصر .. طلال سلمان

01:10 - 08 كانون أول / فبراير 2011


إلى شباب الانتفاضة في مصر .. طلال سلمان

شكراً لفتية مصر الأبرار! لقد أعادوا بانتفاضتهم المجيدة إلى المواطن العربي في سائر أرجاء وطنه الكبير، مشرقاً ومغرباً، توازنه المفقود: عادت إلى عينيه القدرة على الرؤية، بعد دهر من التعمية والمخادعة والتزوير واختلاس المعنى من الكلمات التي تعطي الحياة قيمتها، مثل العزة والكرامة والحق في اختيار نظام حكمه بإرادته، فلا يتسلط عليه طاغية بقوة التزوير، ولا يشوّه تاريخه عار التسليم للعدو الذي يساعد طاغيته على إذلاله.

شكراً لفتية مصر الأبرار، لقد أعادوا الأمل والثقة بأنفسنا، إلينا جميعاً، نحن الذين تطلعنا إلى القاهرة دائماً باعتبارها منارة للحضارة، رائدة في الثقافة وقائدة في السياسة تستمد جدارتها من تاريخها ومن دماء شهدائها التي غطت بعض أرض فلسطين والكثير من بقاع الأرض العربية التي كان الاستعمار الأجنبي يُنكر عليها هويتها ويقهرها في دينها ويغلق عليها باب التقدم إلى الحرية وإلى العصر، بل وإلى حقها في الحياة.

ولتكن البداية من لبنان، وعلى شكل أمثلة بسيطة جداً ولكنها ذات دلالة:

لقد اختلفت اهتمامات الناس جذرياً في مختلف أنحاء هذا الوطن الصغير مع تفجّر الانتفاضة المباركة في المحروسة، عمّا كانت عليه قبلها. في البداية خافوا عليها أن تجهض بسرعة، وأن يقمعها نظام الطغيان بشراسة دموية...

تدريجياً أخذ الناس يخرجون من المستنقع الآسن لحياتهم السياسية التي باتت محاصرة بين مخاطر الفتنة التي غدت تجارة رابحة لأهل النظام، تصطنع بها الزعامات والرئاسات، وبين شحوب القيم الوطنية وأسس الترابط القومي التي شكلت لفترة ما، ولو صورياً، مدخلاً إلى تسوية مؤقتة تمنع عنهم الاقتتال العبثي، وإن دوت شعاراته الصاخبة في الآفاق..

ثم... أخذت أسئلة القلق والخوف على الحاضر، وحتى على المستقبل، تتساقط كأوراق الخريف، بل لقد بات طرحها يثير الاستغراب. لقد تنامى في العقول كما في الضمائر إحساس بالأمان مع تعاظم مد الانتفاضة، وسحبت من التداول الأحاديث المكرّرة والمعادة عن خريطة الانقسام السياسي ومسألة الحكومة الجديدة وبيانها الوزاري العتيد الذي قد يتضمن كماً من المواد المتفجرة المصنّعة محلياً، أو المستوردة بتزكية من الدول الصديقة والشقيقة على شكل «لجان تنسيق» تعمل لتفادي تفجّر الأوضاع القابلة للاشتعال في هذا الوطن الصغير!

الأهم من ذلك كله أن حديث الفتنة، وقد بلغت في أكثر من مرحلة حد الإعلان عن «مواعيدها الأكيدة»، قد تمّ سحبه من التداول، بل الأرجح أنه سقط سهواً، إذ فقد أي مبرّر لطرحه.

فجأة، اختفى «الهلال الشيعي» من أفق هذه المنطقة التي عروبتها شرط وجودها، وتهاوت التكهنات عن قرب التصادم بين السنّة والشيعة في لبنان... وهو تصادم تحضّر له وتفيد منه قوى دولية عظمى ومتوسطة وصغرى، وإن ظلت القيادة فيه أميركية ـ إسرائيلية مشتركة، يتبرّع لها بعض أهل النظام العربي باستصدار طبعات جديدة من الصفحات السـوداء في ماضي الصراع على السـلطة، ليتم سحب دلالاتها على الحاضر والمستقبل، مما لا تقدر عليه لا إدارة الهيمنة الأميركية ولا حكومـة الاحتلال الإسرائيلي.

كذلك فقد غابت عن المناوشات اليومية لمحترفي التهييج الإعلامي الذي يصب في مجرى الفتنة مواضيع مثل المحكمة الدولية التي تصوّر وكأنها الديّان، والتي يكاد البعض يضفي عليها شيئاً من القداسة وحصانة المطهّرين... ومثل القرار الاتهامي ومضمونه «السري» الذي تمّ نشر مضمونه عشرات المرات في الصحف والمجلات الأجنبية والعربية، قبل أن تتولى الترويج له شبكات تلفزة دولية، وقبل أن ينتهك حرمة تحقيقه المصفح البث المباشر، بالصوت والصورة، في محطة تلفزيونية محلية (الجديد)... والذي أتاح الفرصة أمام مشاهديها، في الداخل والخارج، لأن يتعرّفوا إلى بعض المؤهلات الباهرة لبعض القيادات السياسية في لبنان وأبرزها الثقافة العريضة والمعرفة الدقيقة والموضوعية الفائقة في تقييم السياسات العربية والدولية، فضلاً عن النزاهة المطلقة بدليل التبرّؤ من «شهود الزور»!

[ [ [

قد لا يعرف شباب الانتفاضة المجيدة في مصر المحروسة حجم البركان الخامد الذي تسبّبوا في تحريك حممه المحبوسة فيه منذ دهر، والذي كان أهل النظام العربي وبمعاونة مشكورة دائماً من الحليف الأميركي والصديق الإسرائيلي يفترضون أنه قد بات من الماضي، مخلياً أمامهم الطريق لمصادرة الحاضر والمستقبل.

لقد كانت البداية في تونس ولاّدة الفجر،

لكن الشمس كانت تنتظر مصر، بوصفها «المركز»، وباعتبارها «الدولة» بينما معظم دوقيات الطوائف وإمارات النفط والممالك أو الجمهوريات التي استنبتت على عجل إما تمهيداً لإقامة الكيان الإسرائيلي على أرض فلسطين وإما لحمايته بجعله الأقوى والأصلب رسوخاً، تحيط به ـ في القرب المباشر ـ دول مستقطعة من كيان تاريخي وجغرافي جرى تمزيقه في غفلة من أهله، وقد عجزوا عن تغيير الأمر الواقع المفروض بالسلاح لأنهم مقسّمون ممنوعون من الوحدة وضعفاء ممنوعون من أن يمتلكوا أسباب القوة... ثم أنه ليس أسهل من استعداء بعضهم ضد البعض الآخر، فالعجز عن مواجهة العدو لا بد أن يغطى ويموّه بالخطر على الداخل وضرورة التصدي له، أولاً، وبعد ذلك يمكن الالتفات إلى العدو الذي يكون قد بات قوة عظمى تستحيل مواجهتها مما يفرض حتمية الصلح معها... أما فلسطين فلها الله وديموقراطية دولة يهود العالم، المصفحة بالعباءة الأميركية!

لقد أعاد هؤلاء الفتية الأبرار عبر انتفاضتهم المجيدة، إحياء الأمل في صدور أهلهم وإخوانهم، خارج حدود مصر المحروسة، بقدر ما أحيوه داخلها، بعدما كادت عواصف الردة والتخلف والدكتاتورية التي أنتجت الاستسلام للعدو، باعتباره ذروة القهر، أن تطفئه وتنزع عن العرب ـ كل العرب وفي مختلف ديارهم ـ هويتهم القومية فتلغيهم وتشطبهم من التاريخ.

بل إن العرب كانوا، قبل انتفاضة تونس التي سرّعت ثورة مصر، وهي المركز وصاحبة الحق الشرعي والتاريخي في أن تتولى القيادة، على حافة اليأس من أنفسهم والخمود الذي يقارب الموت. كان إحساسهم بالعجز يتفاقم فيدفع بهم إلى الهوان، وإلى شطب الذات كقوة تأثير.

كان العرب قد قاربوا أن يصيروا هلاماً: لا قيمة لمفردهم ولا تأثير لمجموعهم، يتناوب على قيادتهم بعض موظفي الخارجية الأميركية وبعض جنرالات الحرب الإسرائيليين... أما من عصا فيتولى تأديبه مجلس الأمن باسم الشرعية الدولية.

... وبعد ذلك يسهل التشهير بالمخلوق العربي وتحقيره: فهو جبان لا يثور، لا يواجه الأنظمة الدكتاتورية، ولا ينزل إلى الميدان للمطالبة بحقوقه، بينما يسهل استدراجه إلى صراع الزعامات على الحكم في دول الطوائف! هو خارج العصر وعلومه الحديثة. لا هو يعرف معنى الديموقراطية ولا هو مؤهل على استخدام الكومبيوتر والإنترنت والفايس بوك... بل إن النسبة العظمى من العرب هم من الأميين أصلاً فكيف سيدخلون العصر! إذن فليبقوا في حومة الحرب بين داحس والغبراء، فإن رغبوا في التجديد فليحسموا موضوع الخلافة العالق منذ ألف ألف عام. إنهم أبناء الأمس، فليبقوا فيه!

[ [ [

كلمة أخيرة: نقدّر، كما تقدّرون، خطورة المهمة التي نذرتم أنفسكم لتحقيقها.

إنكم الآن تمثلون شرف الأمة وجدارتها بالحياة، وبحقها في اللحاق بركب التقدم الإنساني.

ونعرف أنكم لستم بحاجة إلى من ينصحكم، بل ها نحن نتعلم منكم، ولسوف يكون للدروس التي نتلقاها من وعيكم وصمودكم خلف حقكم في صياغة غدكم، تأثير هائل على المستقبل العربي كله.

نريد، فقط، أن نقول لكم: شكراً. لقد أعدتمونا إلى وعينا بذاتنا. لقد أعدتم الأمة إلى الحياة.

 

صحيفة السفير

انشر عبر