شريط الأخبار

نظرة "إسرائيل" لمصر بعد سقوط نظام الرئيس مبارك

10:30 - 07 كانون أول / فبراير 2011


نظرة "إسرائيل" لمصر بعد سقوط نظام الرئيس مبارك

أحداث مصر تفرض على "إسرائيل" استراتيجية جديدة في شرق أوسط مغاير لطموحها

فلسطين اليوم- القدس المحتلة

التحذير الذي خرج به رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، غابي اشكنازي، من خطر كسر الهدوء الذي تشهده الحدود الشمالية تجاه سورية ولبنان والجنوبية تجاه قطاع غزة وسيناء المصرية وبوصفه الأوضاع الأمنية بالهشة، بدليل ما يحدث في مصر، هذا التحذير يعكس جانباً من التخوف والقلق وحتى الإرباك الإسرائيلي تجاه ما سماه الإسرائيليون «تسونامي تظاهرات الدول العربية». وإن كان ما يظهر بأن إسرائيل متخوفة من خطر مصير اتفاقية السلام مع مصر وأبعادها على مختلف القضايا وبينها الاقتصادية إلا أن الجوانب الأمنية وتأثيرها على إسرائيل، من جهة، والتخوف الإسرائيلي من أبعاد ردود الفعل الأميركية والأوروبية على الأوضاع في مصر والانتقادات الموجهة ضد الرئيس حسني مبارك، من جهة أخرى يتصدران أجندة الإسرائيليين من سياسيين وعسكريين وأمنيين.

 

التخوف الإسرائيلي الفوري وعلى المدى القريب، ينبع بالأساس من انتقال ما اعتبره الإسرائيليون الانفلات في مصر الى منطقة الحدود مع إسرائيل. وصول سجناء غزيين هربوا من السجون المصرية وعادوا الى بيوتهم في غزة تسللاً، ضاعف القلق الإسرائيلي من خطر أن تتحول المناطق الحدودية الى معابر لنقل الأسلحة المتطورة الموجودة بحوزة الجيش المصري أو أسلحة إيرانية ودخول مقاتلين من تنظيمات تعتبرها إسرائيل معادية لها الى القطاع، لتضاعف الخطر الذي تشكله التنظيمات الفلسطينية المسلحة على إسرائيل. ومع إطلاق صواريخ غراد على إسرائيل ليلة «تظاهرة الملايين» في مصر، تصاعد هذا القلق الأمني وراحوا يتحدثون عن خطر تدهور الأوضاع. وهناك من أطلق أصوات تدعو الى إعادة احتلال شريط الحدود مع غزة في مقابل تكثيف الجيش لدورياته في المنطقة وعلى طول الحدود مع سيناء.

 

وفي موازاة الخطر الأمني على الحدود، الذي يتخوف منه اشكنازي فهناك من ينذر من آثار الأحداث في مصر على الأمن الإقليمي في شكل تعزز الميول الإسلامية الجهادية.

 

سلام على الورق

 

التصريحات التي أطلقها بنيامين نتانياهو في تعليقه على الأحداث في مصر ويؤكد فيها حرص بلاده على الحفاظ على اتفاقية السلام مع مصر ومطالبته بضمانات دولية لاستمرار الالتزام المصري بمعاهدة كامب ديفيد، جوبهت بتوضيحات أن السلام بين إسرائيل ومصر قائم أساساً على الورق. فلا تعاون في المجال الثقافي أو الأكاديمي، ولا سياحة مصرية في إسرائيل ويوجد القليل جداً من العلاقات الاقتصادية. ويقول أصحاب هذا الموقف انه منذ التوقيع على اتفاق السلام، قرر النظام في مصر من طرف واحد ألا تتطور العلاقات بين الدولتين، باستثناء الصعيد الأمني، فالسفارة الإسرائيلية في القاهرة تكاد لا تحظى بالتعاون من جانب السلطات المحلية. ومبارك لم يزر إسرائيل إلا في جنازة اسحق رابين. والسلام يوصف بأنه بارد جداً.

 

في إسرائيل وضعوا أمامهم عدة سيناريوات متوقعة لما يحدث في مصر في سياق مناقشتهم الأوضاع وتأثيرها في إسرائيل. وفي مقدم السيناريوات التي يستعدون للتعامل معها سقوط نظام مبارك. وبحسب عميت كوهين فان مصر تصبح ديموقراطية مؤيدة للغرب. الرئيس يخضع لضغط الجماهير ويتخلى عن السلطة. الحكومة الجديدة، التي تتشكل من كل ألوان الطيف السياسي تعمل على تقدم حقوق الإنسان في الدولة. العلاقات الطيبة مع الغرب تبقى وكذا اتفاق السلام مع إسرائيل أيضاً.

 

السيناريو الثاني الذي يطرح في الاجتماعات الإسرائيلية، وتتعامل معه بمنتهى الجدية، هو أن تصبح مصر جمهورية إسلامية: سنوات من قمع المعارضة أبقت في الميدان تياراً واحداً، قوياً ومنظماً – الإخوان المسلمون. في الانتخابات الحرة الأولى في الدولة يحقق الإسلام المتطرف غالبية ساحقة. مصر تبتعد عن الغرب، تقترب من «حماس» وتلغي اتفاقات السلام مع إسرائيل.

 

وفي هذا الجانب يرى السفير الإسرائيلي السابق في مصر، ايلي شكيد، أن السلام في خطر ويقول: «كل تطور لن يكون خيراً للسلام مع مصر وللاستقرار في المنطقة. الفرضية في هذه اللحظة هي أن نظام مبارك يعيش على زمن مستقطع لعدة أشهر، في أثنائه ستكون حكومة انتقالية، حتى انتخابات عامة جديدة. إذا ما أجريت الانتخابات كما يريد الأميركيون، فان معظم الاحتمالات تشير الى أن الإخوان سيفوزون بالغالبية وسيكونون الجهة السائدة في النظام المقبل. وعليه، فهذه مجرد مسألة وقت قصير الى أن يدفع السلام مع مصر الثمن.

 

وبحسب شكيد فان الإخوان المسلمين ينظرون في هذه اللحظة الى ما يجري وينتظرون اللحظة المناسبة. فبعد أن بنوا أنفسهم على مدى 80 سنة في شكل يثير الانفعال، اصبحوا القوة الأكبر في مصر بعد الجيش. ومثل حزب الله وحماس، عمل الإخوان المسلمون كمنظمة غير حكومية وبنوا شعبيتهم الهائلة على المساعدات للفقراء والمحتاجين. العطف عليهم في الشارع جمعوه لأنهم كانوا يسبقون الحكومة في مساعدة المواطن البسيط. وباستثناء الإخوان، فان المعارضة المصرية منقسمة وعديمة القوة. لا يوجد في أوساطها اليوم أية شخصية ذات مكانة وكاريزما يمكنها أن ترص الصفوف وتقود كل شظايا المعارضة.

 

ضائقة استراتيجية لإسرائيل

 

الخبير السياسي الأمني، ايتمار يخنر، اعتبر الأحداث في مصر «ضائقة استراتيجية لإسرائيل في الشرق الأوسط». وهذا الموقف يعكس حال القلق الذي تعيشه إسرائيل وهو ما جعل المطلب الملح التقدم نحو عملية السلام مع السلطة الفلسطينية وسورية. واقترح يخنر على نتانياهو أن يختار مخرجاً من اثنين: فإما أن يجلس فوراً مع محمود عباس والتوصل معه لمسودة اتفاق سلام أو يعلن تخليه عن الفلسطينيين ويعرض على دمشق صفقة حقيقية: نزول من الجولان مقابل انقطاع عن إيران وعن حزب الله.

 

والضائقة الاستراتيجية التي يتحدث عنها الإسرائيليون تنعكس في علاقاتهم المعقدة مع جميع الدول ويدرجها يخنر بالقول:

 

من الشرق – بقيت إسرائيل مع نظام الملك عبد الله الشكاك الذي يتهم إسرائيل بالجمود السياسي، يحذر من الكارثة ويرفض اللقاء مع نتانياهو، على حد تعبير يخنر. وفي الشمال – في أعقاب سقوط حكومة سعد الحريري وصعود حكومة يسيطر عليها حزب الله- «فقد المعسكر المعتدل في الشرق الأوسط محوراً مهماًوأساسياً». في الضفة، الاضطرابات في مصر تطرح تخوفاً من أن يتلقى الشعب الفلسطيني شهية الخروج الى الشارع وإسقاط نظامه الفاسد. وإذا لم يكن هذا كافياً، يقول يخنر، فقد بقي الشرق الأوسط مع إدارة أميركية ضعيفة، تعطي الانطباع بأنها رفعت أيديها في الشرق الأوسط.

 

خانوا مبارك

 

وفي موازاة التخوف من الأبعاد الأمنية لأحداث مصر لا يخفي الإسرائيليون قلقهم من موقف الولايات المتحدة ودول الغرب تجاه الرئيس المصري حسني مبارك، معتبرين ذلك إنذاراً خطراً قد يتكرر تجاه إسرائيل في أي طارئ تشهده في المستقبل. وهذا التخوف دفع إسرائيل بأن تبعث بعدة رسائل الى واشنطن وبعض دول الغرب تدعوها الى تغيير موقفها من مبارك وتقديم كل الدعم له. وهذا الموقف لم يقتصر على القيادة الإسرائيلية بل أطلقه سياسيون أمثال الرئيس السابق لحزب ميرتس، يوسي بيلين، الذي طالب أوباما بمد يد العون لنظام مبارك وإنقاذه من خطر وقوعه في أيدي الإخوان المسلمين قائلاً: «إن إسقاط نظام حكم حسني مبارك وسيطرة جهات إسلامية متطرفة على هذه الدولة الضخمة هو سيناريو احتماله على أرض الواقع كبير». وحذر بيلين يقول: «تعلمنا من الغليان في الشوارع مرةأخرى شيئاً ما عن كرات الثلج. فالجيش القوي المطيع أيضاً، والشرطة الصارمة والأجهزة السرية التي لا هوادة عندها قد تصبح نموراً ورقية عندما تخلص الجماهير الى استنتاج أن زمان نظام الحكم قد انقضى».

 

وبحسب بيلين فان مصر هي الدولة العربية الأهم في العالم، وهي تقود الجامعة العربية، ولها معاهدة سلام مع إسرائيل وفيها قيادة موالية للغرب. وهي ليست دولة ديموقراطية على رغم أن فيها حريات في بعض المجالات، وحرية تعبير ما ومجال محدود للمعارضة. واعتبر بيلين الموقف الاميركي تجاه مبارك غريباً. إذ انهم يؤكدون على العلاقة بين الدولتين والحاجة الى الاستمرار فيها، لكنهم يتخذون موقفاً محايداً واضحاً من تظاهرات الشارع، ويدعون سلطات مصر الى عدم اتخاذ خطوات عنيفة ضد المتظاهرين. بيد أن الولايات المتحدة لا تزال القوة العظمى الوحيدة في العالم، ومن يرأسها ليس محللاً.

 

ويخلص بيلين الى تحذير أوباما من خطر تكرار خطأ الرئيس كارتر في إيران عام 1979 ويقول: «الأجدر بأوباما أن يتذكر ما حدث للرئيس كارتر الذي مكّن من سقوط الشاه الفارسي ودفع عن ذلك لا بكرسيه فحسب بل ثمن تغيير بعيد المدى في وجه الشرق الأوسط. لا يجوز له أن يكرر ذلك الخطأ. فالحديث هذه المرة عن عنصر حيوي في خريطة الشرق الأوسط ستؤثر ضعضعته تأثيراً مباشراً في خطط الإدارة الأميركية للخروج هذا العام من العراق وأفغانستان. إن الخروج الأميركي من الشرق الأوسط عندما ينتقل الأمر الى أيد متطرفة سيكون عملاً غير مسؤول على نحو ظاهر».

 

فشل للاستخبارات الإسرائيلية

 

في إسرائيل والى جانب انشغالهم في وضع سيناريوات متوقعة يكرس أمنيون وعسكريون جهودهم في كيفية التعامل مع الوضع القائم. وفي هذا السياق وجهت اتهامات لجهاز الاستخبارات العسكرية بالفشل في رصد الأحداث. وطالب أمنيون بتشكيل لجنة تحقيق في جهاز الاستخبارات، بخاصة أن الرئيس الجديد لجهاز الاستخبارات العسكرية، افيف كوخافي، قدم تقريراً أمام لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، قبل أسبوع واحد فقط من أحداث مصر، أكد فيه أن التقارير الاستخبارية الإسرائيلية تؤكد أن لا خطر على مستقبل الرئيس حسني مبارك أو اتفاقية السلام. وإزاء توقعات كوخافي، التي جاءت مناقضة تماماً لما يحدث على أرض الواقع ارتفعت الأصوات الداعية الى تشكيل لجنة تحقيق لكشف الخطأ الذي تضمنه تقرير كوخافي حول مصر. وأنذر البعض من أن هذا التقرير الخاطئ سيفقد ثقة السكان بجهاز الاستخبارات الذي يعرض تقاريره المطمئنة حول الوضع في المناطق الحدودية من الشمال والجنوب.

 

وإزاء هذا الوضع ستعمل إسرائيل على تغيير استراتيجيتها تجاه دول الجوار وسبل التعامل مع الوضع المتوقع أن تشهده المنطقة.. شرق أوسط جديد لكنه مغاير تماماً لما تريده إسرائيل.

انشر عبر