شريط الأخبار

تحليل: ما يحدث في العالمين العربي والإسلامي أكثر من مجرد ظاهرة سياسية

08:34 - 03 حزيران / فبراير 2011

تحليل: ما يحدث في العالمين العربي والإسلامي أكثر من مجرد ظاهرة سياسية

فلسطين اليوم-القدس العربي

وحده الأحمق يسعى للتنبؤ بمسار الثورتين التونسية والمصرية، ولكن الغبي فقط ينكر ان ثمة شيئاً دراماتيكياً وعميقاً يجري على نطاق واسع في العالمين العربي والإسلامي وهو أكثر من مجرد ظاهرة سياسية.

أولاً، لا بد من الإشارة إلى الفارق بين العالمين العربي والإسلامي، والقومية والقوى الدينية. وثمة تقليد ووجه وطني واضح للدراما المصرية، فمصر كانت لفترة طويلة دولة عربية حاسمة، بلداً قاد حروباً ضد إسرائيل في الـ1948 و1956 و1967 و1973 وقاد عملية السلام في كمب ديفيد. وتتميز مصر بخصوصيات عديدة، حيث يبلغ عدد سكانها 84 مليون نسمة ولديها صحف كبرى مثل الأهرام، وفيها مغنون وفنانون ذاع صيتهم في مختلف أنحاء العالم العربي مثل أم كلثوم، كما انها كانت منذ فترة طويلة القلب الثقافي للعروبة الثقافية بطريقة لم يسبق لتونس أو الجزائر أو حتى سورية أن كانت عليه يوماً، ووحده العراق يتميز بتقليد ثقافي مماثل وعميق مثلها.

لذلك فإن تونس بدأت هذه المرحلة من العملية السياسية، إلا ان مصر ستحدد زخمها وتحدد مدى انتشارها، ومن المرجح أن تحدد الأحداث في القاهرة هذا الأسبوع إذا كان شعب المغرب وسورية وشبه الجزيرة العربية سينزلون إلى الشوارع بدورهم.

لكن هذه مجرد سياسة، وحتى إذا بقيت الشوارع هادئة والجيوش في الثكنات، فإن التغييرات الصاخبة نفسها التي أدت إلى أحداث تونس ومصر تهز العالمين العربي والإسلامي. وصحيح انه من الخطر دائماً أن تتم المقارنة بين الثقافات إلا انه لا بد من الإشارة إلى ان هذين العالمين يعيشان نهضة متزامنة وإصلاحاً وتنويراً وثورة صناعية ومعلوماتية متزامنة.

لقد استغرق الغرب ستة قرون ليختبر ويستوعب كل هذه الأحداث الكبيرة ويختبر التغير الاجتماعي والاقتصادي والفطري المتمثل في كل منها. فقد غيرت النهضة تفكير الناس في العالم من حولهم، وغير الإصلاح طريقة تفكيرهم بشأن الدين والسلطة الدينية، كما غيّر التنوير طريقة نظرتهم إلى السلطة بشكل عام والتعليم والتفكير المستقل ودرجة تحديد الأفراد مسار حياتهم.

ويمكننا أن نرى هذه الدراما بطرق مختلفة ومتنوعة، وربما بصورة أكثر حدة في الثورة الديمغرافية التي حدثت في غالبية أنحاء العالم العربي، حيث لا يوجد سوى في سلطنة عمان واليمن والأراضي الفلسطينية نوع من معدل ولادة يضاعف عدد السكان خلال جيل واحد. ويعتبر معدل الولادة في كل من تونس والجزائر والمغرب والإمارات والبحرين والكويت وتركيا وإيران أقل من المتوسط العالمي أي 2.5 أطفال لكل امرأة.

وبقيت نسبة الولادات في تونس دون المستوى العام طوال عقد من الزمن، أما معدل الخصوبة في مصر فوصل الآن إلى 2.8 وهو يتراجع، مع العلم ان هذا المعدل هو نصف ما كان عليه في سبعينات القرن الماضي (مع العلم ان إحدى نظريات علماء الاجتماع العرب تقول ان شعبية برامج أوبرا وينفري التلفزيونية الكبيرة، التي يمكن متابعتها عبر الأقمار الاصطناعية وتترجم إلى العربية، لعبت دوراً مهماً في زيادة ثوابت النقاش بشأن دور المرأة وحقوقها).

لكن خوض هذه التحولات، التي تغير الحياة في الوقت نفسه الذي تغير فيه العولمة والتقدم الصناعي الحياة الاقتصادية وتجلب ثورة المعلومات تويتر وفايسبوك والإنترنت، لا يخلق مجرد تحديات دراماتيكية جديدة أمام الدولة البوليسية، بل يطرح صفوفاً اجتماعية جديدة ومصادر جديدة للثروة وسلطة بعيدة عن الدولة ونقاط ضعف اجتماعي جديدة تجد الأنظمة الاستبدادية صعوبة في إدارتها. وقبل كل شيء، هذه التغييرات تنطبق على الشرطة والقوى الأمنية التي تعتمد عليها الأنظمة. وعادة لا يسقط الطغاة إلاّ عند فقدان عصبهم، أي عندما يشعرون انهم ما عادوا قادرين على التحكم بولاء عناصر الشرطة والجنود، وهذا هو سبب سقوط أنظمة ألمانيا الشرقية وتشيكيا وبولندا في الـ1989 وفشل الانقلاب المناهض (لرئيس الاتحاد السوفياتي السابق ميخائيل) غورباتشيف في العام 1991 في موسكو.

يبدو ان شيئاً مماثلاً حصل في تونس حيث قرر الجيش انه لن يحافظ على حكومة الرئيس التونسي زين العابدين بن علي. ولا بد ان بعض الحسابات من هذا النوع كانت تدور في ذهن كبار ضباط الشرطة والجيش في مصر خلال الأيام الماضية، فيما يطرح نظراؤهم من المغرب حتى الخليج الآن على أنفسهم أسئلة مماثلة.

وسيدور في عقولهم أيضاً سؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة، بعد مرحلة ما بعد الركود والانتكاسات في العراق وأفغانستان، لا تزال راغبة وقادرة على التأثير في أحداث الشرق الأوسط.

وعلى رأس كل هذه الأمور تأتي مسألة الإسلام، التي تخضع حالياً لأشكال مختلفة من الجدل والحرب المدنية بين الأصوليين وطالبي الحداثة، وبين السنة والشيعة، وبين الصوفييين والوهابيين.

هذه هي أوقات مثيرة وعصيبة لأنها مليئة بالأمل والخطر، إذ يمتص مليار مسلم حول العالم هذه الصدمات التي رماها عليهم التاريخ مرة واحدة.

 

 

 

انشر عبر