شريط الأخبار

الانفجارات الشعبية وانهيار نظرية "الديمقراطية الموالية"../ بلال الحسن

11:28 - 31 حزيران / يناير 2011

الانفجارات الشعبية وانهيار نظرية "الديمقراطية الموالية" بلال الحسن

لا يزال الحدث التونسي يتطور ويتفاعل. ولا يزال الحدث المصري (حتى كتابة هذا المقال) في بداياته. ولا أحد يستطيع أن يجزم إذا كان سيستمر أم لا. ولكل من هذين الحدثين أهميته الخاصة، ولكن ثمة معالم أساسية، بعضها دولي وبعضها محلي، جديرة بالاهتمام، وجديرة بالتوقف عندها.

 

هذه الأحداث، وبخاصة الحدث التونسي، بقدر ما هي أحداث داخلية، إلا أنها في الوقت نفسه، أحداث ذات تأثير دولي بامتياز. تأثير دولي يطال الدول العظمى. وهكذا فإن شهيدا مثل البوعزيزي، ومدينة مثل سيدي بوزيد، لها تأثير مباشر في دولة مثل أميركا، وفي مدينة مثل نيويورك، وفي مؤسسة مثل البيت الأبيض. وهو أمر يكاد أحيانا لا يدركه حتى أصحابه.

 

لقد أحدثت تطورات تونس هزة في الاستراتيجية الأميركية (والأوروبية) العالمية، فإذا كانت هذه الاستراتيجية تسعى لفرض نفوذها في العديد من دول العالم، فإنها تعتمد في ذلك مسألتين:

 

مسألة الديمقراطية، ونشر ثقافة الديمقراطية، من خلال الانتخابات وحرية الأحزاب وسواهما. وتعتبر الولايات المتحدة أن قضية الديمقراطية هي التي تعطي لسياساتها دعمها الأخلاقي. وقد نالت تونس طويلا تقريظا من أميركا والغرب لمتانة توجهها الديمقراطي.

 

ثم مسألة التنمية الاقتصادية، والتي تلعب فيها توجهات، بل أوامر، البنك الدولي دورا أساسيا. فهي التي توجه لسياسة فتح الأسواق، ورفع الرسوم عن الاستيراد الأجنبي، واعتماد الخصخصة في بناء الشركات لإبعاد الهيمنة الحكومية عليها، ودفع الحكومات نحو القبول بنتائج السوق، وبخاصة في ما يتعلق بالأسعار، ومن خلال المطالبة الأساسية برفع الدعم عن السلع الأساسية مثل الخبز أو القمح أو الوقود أو السكر. وحين تلبي حكومة ما مثل هذه المطالب، تبدأ بالتباهي بأن لديها تنمية (اقتصادية) ناجحة، ثم يأتي البنك الدولي ليبارك هذه التنمية (الاقتصادية) ويشيد بها. ويعتبر النظام أنه يزداد قوة على قوة.

 

وحين يدخل عامل المحاسبة والنقد والتقييم، نجد أن هذه النصائح قادرة على أن تنتج عوامل سلبية للغاية، لا يرغب أحد بالالتفات إليها. ففي موضوع الديمقراطية، يتم اعتماد اللعبة الديمقراطية ببنودها كلها: الانتخابات، الأحزاب الرسمية، الأحزاب المعارضة التي تنشأ في ظل السلطة. ولكن، وفي الوقت نفسه، تنشأ في ظروف العالم الثالث أحزاب معارضة، تنسد أمامها كل الطرق التي تؤهلها لتصبح شرعية، وعلى أساس أنها أحزاب تهدد النظام العام، وتستوي في ذلك التيارات اليسارية، والدينية، والليبرالية، فتتكون بسبب ذلك (ديمقراطية الولاء)، وتتكون بموازاتها (ديمقراطية المعارضة) التي تتم محاربتها باسم القانون. أما الولايات المتحدة ودول أوروبا، نصيرة الديمقراطية والقانون، فإنها تقرر أن ترى بعينها اليمنى ذلك النوع من ديمقراطية الولاء، وترفض أن ترى بعينها اليسرى ذلك النوع من ديمقراطية المعارضة. ترفض أن ترى كبت الحريات، وما يرافقه من سجون واعتقالات وهرب وإبعاد، وهو ما يتفاعل مع الزمن، متخذا اسم (الكرامة) المهدورة، والتي تتحرك حين تتحرك بغضب شديد.

 

أما في موضوع التنمية، فإن التنمية الاقتصادية التي يرعاها البنك الدولي، وربما يقدم لها القروض، تزيد في النشاط الاقتصادي، وتزيد في أرقام الإنتاج، ولكنها تبقى بعيدة عن التنمية (الاجتماعية). فتنشأ حالات الفقر على نطاق واسع، ويترافق الفقر المدقع مع الغنى الفاجر. وبما أن للشعوب حيويتها التي تتطور بها تلقائيا، تنتشر الرغبة في التعليم، لعل التعليم يصبح مخرجا من الفقر. ولكن هذا التعليم الذي يفرز أجيالا من الخريجين، ما يلبث أن ينفتح على البطالة وعلى الهجرة، فينشأ جيل مقهور لا يجد لنفسه مكانا في وطنه. وبما أن للشعوب مساوئها أيضا، ينشأ جيل الفساد مستفيدا من قوة الديمقراطية الموالية، فيبدأ بالعمل لحسابه، ويزيد بذلك من حدة الأزمة الاجتماعية، وتصبح التنمية (الاقتصادية) بهذا المعنى سلاحا ضد الشعب ولقمة عيشه.

 

تتجمع هذه العوامل كلها بالتدريج، وتتراكم مع الزمن طبقات فوق طبقات، ويبدأ هدير الضغط الاجتماعي بالتعبير عن نفسه، ويصل صوت الهدير إلى الجميع، ويبدأ الاستعداد لصده، ويكون ذلك من خلال إنشاء أجهزة الأمن وتكبيرها وتكبير الاعتماد عليها. يبلغ عدد أجهزة الأمن في تونس مثلا ثلاثة أضعاف عدد الجيش. وينجح الأمن طويلا في كبت الغليان الاجتماعي وصده، إلى أن تصل الأمور إلى لحظة الذروة، فيحدث الانفجار.

 

هنا توجد أيضا مجموعة ملاحظات هامة:

قد نبع انفجار الغضب من المناطق النائية، وبادر إليه المواطنون العاديون البعيدون عن السياسة والأحزاب. وقد جرت العادة في العالم كله أن انفجارات الغضب تحدث في المدن الكبرى، ويبادر إلى التعبير عن هذا الغضب القادة والزعماء سواء كانوا أفرادا أو أحزابا أو نقابات. ولكن هذا كله لم يكن موجودا في بدايات التحرك التونسي، فجاء الانفجار شعبيا وعفويا، يعبر عن انسداد أفق الحياة الكريمة أمام الكثيرين، وهو أمر لم تلفت إليه الأجهزة الأمنية التي تراقب المعارضين، كل المعارضين، بعيون مفتوحة جدا.

 

إن هذا الانفجار الشعبي، وبهذه الطريقة، ومن دون قيادات، أمر جديد من نوعه، وقد اتخذ صفة الحدث النوعي، وصفة الحدث التاريخي، ولكنه ليس بالضرورة أمرا إيجابيا كليا، فحين تخرج الجماهير إلى الشارع بالآلاف، ومن دون قيادات، فإن الأمور يمكن أن تسير نحو المتاهة، أو نحو الفوضى، أو نحو انعدام الهدف الواضح والجلي أمام الجميع. لقد دخلت القيادات المشهد في ما بعد، وهي كثيرة ومتنوعة ومتناقضة، والخشية أن لا تستطيع الاتفاق على خطة موحدة. وقد بدأت تطرح مطالب تدعو إلى التغيير الشامل، إلى نسف الماضي كله واستيلاد مستقبل جديد. وهذا أمر طيب ومشروع، لولا أن المنادين به لا يشكلون جسما متماسكا يستطيع أن يقود هذا الهدف، وأن يبلوره، وأن يضعه موضع التنفيذ. والقوة الفاعلة التي يستند إليها هؤلاء القادة، هي قوة الآخرين، وليست قوة نفوذهم داخل الجماهير.

 

ماذا يعني هذا؟ يعني أن هناك تحديا مطروحا أمام الحدث التونسي، فهو إما أن ينتج برنامجا وطنيا عاما تلتقي حوله كل القوى المتعارضة والمتناقضة، وإما أن تصبح أسير شعارات ثورية جميلة، ولكنها لا تملك القدرة على تحقيقها. وهنا قد ينفتح الوضع على المجهول، المجهول الذي يسمونه (الفراغ) في السلطة، وهو الذي حذر منه قائد الجيش في إطلالته الأولى والوحيدة.

 

وهناك أمور من هذا النوع توجد بذورها داخل الحدث المصري، والذي هو أشد تفاعلا وتعقيدا، في مسائل المطالب، والقيادات، والأهداف.

 

ومن خلال هذه التناقضات، وحالة عدم القدرة على الحسم السريع، يعود العامل الخارجي، العامل الأميركي والأوروبي ليطل على الحدث التونسي والمصري ويفعل فيه، ويحاول إعادته مرة أخرى إلى إطاري الديمقراطية الموالية والتنمية الاقتصادية، مع شيء من التعديلات والإرضاءات.

"الشرق الأوسط"

انشر عبر