شريط الأخبار

الشرق الاوسط : 70 مليون دولار فقدها الفلسطينيون بتجارة الأنفاق

07:41 - 30 تشرين أول / يناير 2011

70 مليون $ فقدها الفلسطينيون بتجارة الأنفاق

فلسطين اليوم-الشرق الأوسط-صالح النعامي

لا يشي مظهره الأنيق، واهتمامه الواضح بشكله، بالواقع النفسي الذي يعيشه.. فأبو حاتم، 57 عاما، الذي يقطن في المنطقة الوسطى من قطاع غزة، فقد ماله وبيته فيما بات يُعرف في غزة بـ«تجارة الأنفاق». وقال أبو حاتم إنه لا يزال يذكر ذلك «اليوم الأسود» في سبتمبر (أيلول) عام 2008 عندما اتصل به أحد أصدقائه ليخبره بأنه قام بإيداع مبلغ 18 ألف دولار لدى أحد الأشخاص الذين يعملون في تجارة الأنفاق، وأنه يحصل على أرباح، وقال إنها تعتبر خيالية بكل المقاييس؛ إذ يصل مردودها الشهري إلى نحو خمسمائة دولار.

وفتحت هذه الإغراءات والأرقام شهية أبو حاتم وأسالت لعابه وجعلته يتفق مع صديقه على التوجه في الصباح الباكر إلى هذا التاجر لطرح بعض الاستفسارات. وأوضح أبو حاتم، الذي لم تكن مدخراته في ذلك الوقت تتجاوز ألفي دولار، أن «فكرة فجأة قفزت إلى ذهنه.. فكرة عرض بيته للبيع واستئجار شقة سكنية ببعض فائض الأرباح، من الاستثمار».

وبالفعل وبعد أن التقى أبو حاتم ذلك التاجر الذي أكد له أنه لا مجال للخسارة مطلقا، ازدادت حماسته للفكرة، وباع بيته المكون من طابقين بمبلغ 55 ألف دولار، أي نحو 3 أضعاف المبلغ الذي استثمره، مما يعني أنه سيربح على الأقل 1500 دولار في الشهر، وهذا مبلغ خيالي بالنسبة لمتوسط الدخول في قطاع غزة المحاصر، بالإضافة إلى أن ثمن البيت سيبقى بمثابة وديعة لدى التاجر. وسلم أبو حاتم المبلغ للتاجر. وتأكد صواب قراره خلال الأشهر الثلاثة الأولى؛ إذ كان دخله الشهري من الاستثمار يصل إلى 1500 دولار.

ولم يكن أبو حاتم إلا واحدا من آلاف الفلسطينيين الذين تشجعوا على استثمار تحويشة العمر (مدخراتهم) في تجارة الأنفاق، على أمل تحقيق ربح سريع ومجزٍ في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة التي يمر بها القطاع، بعد أن أصبح الكثير من التجار يعملون وكلاء لأصحاب الأنفاق والمهربين، لجمع الأموال من الراغبين في الاستثمار.

وهكذا وقعت في أيدي عدد محدود من التجار عشرات الملايين من الدولارات يقدرها البعض بنحو 70 مليون دولار. وسرى الحديث عن الأرباح الكبيرة التي يحققها المستثمرون في القطاع كما تسري النار في الهشيم، فقام بعض الناس بسحب مدخراتهم من البنوك، واستثمارها في هذه التجارة، علاوة على أن بعض الموظفين تقدموا طلبات تقاعد مبكرة لكي يتسنى لهم استثمار مستحقات التقاعد في تجارة الأنفاق.

لكن سرعان ما حلت الصدمة بالمستثمرين، عندما شنت إسرائيل في أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2008 حربها الشرسة على القطاع، وتم استهداف الأنفاق بشكل واسع. وأدرك المستثمرون، وضمنهم أبو حاتم، أن أحلامه لم تكن إلا قصورا في الهواء.

وواصلت إسرائيل بعد الحرب عمليات قصف الأنفاق التي تتم أحيانا بقنابل تزن الواحدة طنا من المتفجرات وذات قدرة اهتزازية ضخمة، مبررة ذلك بإطلاق صواريخ حركات المقاومة على بلداتها في النقب الغربي لتبرير مواصلة عمليات قصف الأنفاق على الشريط الحدودي. وتعتبر إسرائيل أن التخلص من أكبر عدد من الأنفاق يقلص من قدرة الحركات الفلسطينية، وتحديدا حركة حماس، على تهريب السلاح والوسائل القتالية ومراكمتها، استعدادا للمواجهات المتوقعة في المستقبل. لكن جمال، وهو صاحب أحد الأنفاق في رفح، أكد لـ«الشرق الأوسط» أن الضربة الكبرى التي تلقتها تجارة الأنفاق جاءت عقب العدوان الإسرائيلي على أسطول الحرية الذي راح ضحيته 9 من المتضامنين الأتراك؛ إذ اضطرت إسرائيل، تحت طائلة الضغط الدولي، إلى فتح المعابر التجارية مع غزة والسماح بدخول معظم البضائع والسلع الاستهلاكية التي كانت تمر عبر الأنفاق، فتراجع الطلب على البضائع المهربة إلى حد الصفر، خاصة أن البضائع المقبلة عبر المعابر أكثر جودة. ومع مرور الوقت أصبح جميع السلع الغذائية يمر عبر المعابر التجارية، باستثناء البناء والوقود، وكانت النتيجة إغلاق الكثير من الأنفاق.

وتتراوح التقديرات حول عدد الأنفاق العاملة، فهناك من يقول إن من أصل 1300 نفق، لم يبق سوى 300 نفق، معظمها يعمل في مجال تهريب الوقود ومواد الإنشاءات، مثل الحديد والإسمنت والحصمة وغيرها.

وشكل هذا الوضع ضربة قاتلة لتجارة الأنفاق، وتسبب في تهاوي تجارتها، وتهاوت معها آمال المستثمرين.

وطالب المستثمرون تجار الأنفاق بإعادة أموالهم، لكن محاولاتهم باءت بالفشل وعادوا بخفي حنين. فلجأوا إلى الحكومة المقالة في غزة، برئاسة إسماعيل هنية، التي شكلت لجنة في محاولة لإنصاف الناس وإرجاع المستحقات لأصحابها، مع الأخذ بعين الاعتبار خسائر التجار أيضا.

وكخطوة أولى، استدعت الأجهزة الأمنية جميع تجار الأنفاق ذوي العلاقة بالقضية ووكلائهم. ونجحت اللجنة، قبل عام، في تحصيل نحو 16% من الأموال وتوزيعها على المستثمرين، في حين طمأن وزير العدل في حكومة غزة، محمد فرج الغول، المستثمرين على أنه سيتم توزيع جزء جديد، مشيرا إلى أن حجم الاستثمارات بلغ 70 مليون دولار. وأوضح، في تصريح صحافي، أن اللجنة للنظر في الأموال المستثمرة بالأنفاق تعمل على أعلى المستويات.

وذكرت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن الحزم الذي أظهرته الأجهزة الأمنية في التعامل مع التجار ووكلائهم، نجح في استرجاع مبالغ كبيرة من أموال المستثمرين. وشددت المصادر على أنه سيتم خصم قيمة الأموال التي قدمت للمستثمرين كأرباح، بسبب الخسائر التي لحقت بالتجار.

وهناك معلومات غير مؤكدة تفيد بأنه تم توقيف بعض الأشخاص الذين قاموا بعمليات احتيال، وتقمصوا شخصيات تجار يستثمرون في الأنفاق، وقاموا بتحصيل أموال من الناس، وانكشف لاحقا زيفهم.

 

انشر عبر