شريط الأخبار

عميد الأسرى المقدسيين الرازم: لن نستجدي أحداً لنيل حريتنا

12:32 - 27 تموز / يناير 2011

عميد الأسرى المقدسيين الرازم: لن نستجدي أحداً لنيل حريتنا

فلسطين اليوم- القدس المحتلة

رفض الاستسلام للواقع الاعتقالي المرير الذي يعيشه، وتمرد على إجراءات الاحتلال الصهيوني التعسفية التي سلبته حريته ولكنها لم تنل من عزيمته وإرادته، ولا يرضى لنفسه استجداء أحد لأنه حمل رسالة وآمن بقضية يفخر دوماً بالتعبير عن استعداده للتضحية في سبيلها.

أما استبعاده من كل صفقات التبادل فلم تؤثر فيه أبداً، ولم يحزن لرفض الإفراج عنه مراراً وتكرارا، ولكنه بكى ومازال لرحيل والدته التي لم يودعها، ولخوفه على والده الذي أقعده المرض، ويتمنى أن يعود إليه ليرعاه ويفرحه بتحقيق أمنيته التي توفيت والدته دون تحقيقها وهي تحرره والفرح بزفافه.

إنها حكاية أخرى من بين جنبات مدينة القدس، يرسمها بصور الصمود الأسير فؤاد قاسم عرفات الرازم "أبو القاسم" (54 عاماً)، عميد الأسرى المقدسيين وأسرى حركة الجهاد الإسلامي، الذي يدخل عامه الاعتقالي الحادي والثلاثين نهاية الشهر الجاري، ومازال يتمسك بالأمل ويقاوم الألم ويصر على العطاء في سبيل فلسطين وحرية أرضها ومقدساتها وشعبها، ومن خلف القضبان الإسرائيلية في عزل نفحة الجماعي.

قال الرازم في ذكرى اعتقاله: "نحن على ثقة كبيرة في الله سبحانه وتعالى، أملنا بالله كبير ثم بإخواننا، الله عز وجل الذي شاءت إرادته وحكمته أن ندخل هذا السجن، والله عز وجل إن شاء أخرجنا من ظلماته، فهو العالم بالخير لنا "والخيرة فيما اختاره الله" وأنا على ثقة بأنه لو اجتمعت الإنس والجن على إخراجنا من هنا، فذلك لن يتم إلا بعون الله وإرادته، ولو اجتمع أهل الأرض على أن يطيلوا مكوثي هنا فلن يقدروا إن شاء الله الفرج لي".

وأضاف: "لقد أكلت الثورة الفلسطينية أبناءها وأصبحت شعارات رنانة ليس إلا، بل أنها أصلا نسيت أبناءها، وأصبحت المؤتمرات واحتفالات الانطلاقات لكافة الفصائل هي الشغل الشاغل لجميع أفرادها، ولأول مرة في تاريخ البشرية، يقبع 130 أسيرا داخل السجون لأكثر من 20 عاما، وهذا حصل فقط في فلسطين، ونحن نحمل السلطات الإسرائيلية وكافة الفصائل الفلسطينية جميعها دون استثناء مسؤولية اعتقالنا وبقائنا خلف القضبان لكل هذه السنوات."

وتابع: "نحن الأسرى لن نستجدي أي أحد للإفراج عنا، فالاستجداء عندنا يساوي "التسول" ونحن لا نتسول من أحد، هذا حقنا ونحن نطلبه بكل قوة ولن نتنازل أبدا عن حريتنا وسنحصل عليها بكرامتنا."

 

 

 

صورة لا تنسى

ومازال والد الرازم الحاج "أبو سمير" (86 عاماً) وأسرته ينتظرون عودة فؤاد لمنزلهم في بلدة سلوان.

وقالت شقيقته "أم نضال": "تكثر الذكريات الحزينة في غياب فؤاد، لكن أصعب موقف مر على فؤاد وعلينا خلال رحلة 31 عاما من الاعتقال هو مرض والدتي قبل وفاتها مرضاً شديداً، خلال 3 أعوام تنقلت بين عدة مستشفيات، وعجز الأطباء عن تشخيص إصابتها بأي مرض عضوي، بل أجمعوا أن مرضها نفسي، وهو ما أوصلها إلى هذا الحال، فقد كانت لا تأكل ولا تشرب ولا تخرج من منزلها."

وأضافت: "قبل اعتقال فؤاد، كان يرتبط بعلاقة وثيقة مع والدتي وتوطدت أكثر وهي تتألم لغيابه القسري عنها، وقد حرمت من زيارته لستة أعوام، ومنذ اعتقال فؤاد، لم تترك والدتي منزلها، ولم تذهب إلى أي فرح أو ترح، حتى زيارتها للطبيب كنا نجبرها عليها".

وتابعت: "لم تعد والدتي قادرة على الرؤية أو الكلام أو السير، وبعد جهود حثيثة وافقت سلطات الاحتلال الإسرائيلي على السماح لها بزيارة فؤاد بعد أن استطعنا الحصول على تصريح لتزوره زيارة خاصة جراء تدهور صحتها وذلك بعد تدخل مؤسسات عديدة، وانطلقنا في سيارة إسعاف أحضرناها على نفقتنا الخاصة لنعيش أصعب لحظة لن أنساها أبدا".

وأوضحت: "بعد أن وصلنا باب السجن، رفض السجانون إدخالنا، وانتظرنا ساعة ونصف الساعة في الخارج، لأنهم كانوا يريدون أن تدخل والدتي وحدها، وبعد جدال كبير سمحوا لنا بالدخول معها، والمؤلم أن مدة الزيارة كانت ثلث ساعة فقط، وضعنا السجانون في ممر معتم وبلا تهوية، وبدأت السوائل تخرج من جسد والدتي بسبب شدة الحرارة، علما أننا نقلنا والدتي على سرير العناية المكثفة. صورة فؤاد عند لقائه والدتي لا تفارقني، ولم أره يوما مصابا بذلك الذهول الذي أصابه عندما رآها، أصيب فؤاد بدوخة ولم يستطع أن يتمالك نفسه، ووقف بعيداً عن سرير والدتي وبدأ يبكي."

وأكملت حديثها بتأثر بالغ، وقالت: "سألته: لقد جئنا هنا حسب طلبك؟ فلماذا تبكي؟، فأجاب: لم أتوقع أن تكون والدتي قد وصلت إلى هذا الحال. ثم عاد مجددا إلى سريرها وقال: هل تعرفينني يا أمي؟ لم تجبه بل ابتسمت فقط وبدأت تتمتم حروف اسمه. وكان فؤاد قد اتفق مع مدير السجن أن يسمحوا له بالتقاط صور تذكارية مع والدته المريضة، وكان السجانون يحدقون بنا ويضحكون بشماته، وحتى التقاط الصور كان محاطا بالمشاكل والجدل مع السجانين."

وأضافت: "خرجنا من الزيارة، واخذ السجانون فؤاد إلى زنزانته، وقبل أن نبتعد عنه دفعهم وعاد راكضا باتجاهنا، وقال لوالدتي: "ارض عني وسامحيني اذا كنت قد أخطأت بحقك، وان شاء الله سنلتقي في جنات النعيم"، وانطقها الشهادتين، وأوصانا بها."

وكان للزيارة تأثير ايجابي كبير على والدة فؤاد. وقالت "أم نضال": "بعد مغادرتنا السجن، ونحن في سيارة الإسعاف، بدأت والدتي تضحك وتتحدث وتدعو لله أن يرضى عن فؤاد، واعدناها للمستشفى وعندما رأى الطبيب تحسنا على حالتها سمح لنا بنقلها للبيت، مستغربا من تحسن صحتها، فقد انتعش قلبها بعدما شاهدت فؤاد وكانت تلك لحظات وداعها للدنيا فقد بقيت والدتي في البيت لمدة أسبوع آخر وبعدها توفيت وأغمضت عينيها وهي تحدق بصوره وتدعو الله أن يفرج كربه".

 

آمال لا تموت

بكى فؤاد لان السجن والسجان حرماه وداع والدته، وأضافت "ام نضال": "لم يهتم فؤاد بالسجن والحكم القاسي بقدر ما آلمه واثر به رحيل والدتي التي بكاها بحرقة، لكنه مازال صابرا ونحن ننتظر عودته، لقد زرته قبل شهر، وكانت صحته ممتازة والحمد لله، ومعنوياته عالية جدا وإرادته قوية، لذلك وفي ذكرى اعتقاله، أخاطب كل من ينصبون أنفسهم مسئولين عن قضية الأسرى وأقول لهم: "اهتموا بالأسرى لأنهم لم يعتقلوا لشخوصهم، بل ناضلوا واعتقلوا لتحرير وطن وكرامة شعب، وواجبهم علينا أن نعمل لحريتهم، وان لا يتحولوا لأرقام وإحصائيات"، ودعت وسائل الإعلام المحلية والعربية والعالمية للاهتمام بقضية الأسرى الفلسطينيين والتركيز عليها.

ولم تنس ان تخاطب فؤاد لتقول له: "نحن نحسدك، أنت أخذت الدنيا وما فيها، نحن نخجل منك عندما تقول لنا اصبروا على اسري خلف القضبان، أنا صابر واعرف مصيري".

وتحزن "ام نضال" لحال والدها الذي أصابه المرض حتى أصبح يعاني من ضعف بالسمع، وقالت: "والدي يعيش الحزن عنا جميعا فهو يشتاق لفؤاد ويردد اسمه دائما ويتمنى عناقه ويخشى لحظة الرحيل قبل أن يراه، والمؤلم انه لم يعد قادرا على زيارته بسبب الكبر والمرض، فهو لم يزره منذ ٤ أعوام، لأنه مريض وعنده ضعف بالسمع، فكيف سيذهب لزيارة فؤاد ويكلمه من وراء الزجاج وعبر الهاتف، لن يتمكن من سماعه عبر الهاتف، ولن يراه بوضوح، لذلك أدعو الله بعد كل هذه السنوات من رحاب المسجد الأقصى لله ليعيد فؤاد إلينا لنا لنصلي في القدس ونزفه عريسا ونضمد جرح الأيام ونزيفه الذي مازال يؤلمنا."

الجدير ذكره أن الأسير الرازم ولد بتاريخ 9-2-1957 في بلدة سلوان جنوب شرق المسجد الأقصى، له 5 إخوة و12 أختا، وحاصل على دبلوم شريعة إسلامية، واعتقل في 30-1-1981، وتعرض للتعذيب والعزل أثناء التحقيق، ويقضي حكما بالسجن المؤبد.

 

انشر عبر